صديق الحسيني القنوجي البخاري

611

فتح البيان في مقاصد القرآن

وكل هذه معان متقاربة أي رفعنا الْجَبَلَ من أصله وهو الطور الذي سمع موسى عليه كلام ربه وأعطي الألواح وقيل هو جبل من جبال فلسطين وقيل هو الجبل عند بيت المقدس وكان ارتفاعه على قدر قامتهم ، فكان محاذيا لرؤوسهم كالسقيفة فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ لارتفاعه ظُلَّةٌ أي سحابة تظلهم وهي اسم لكل ما أظل ، وقال البيضاوي : كأنه سقيفة وهي كل ما أظلك وقرىء طلة بالطاء من أطل عليه إذا أشرف . وَظَنُّوا قيل الظن هنا بمعنى العلم وقيل هو على بابه كَأَنَّهُ أي الجبل واقِعٌ بِهِمْ أي ساقط عليهم خُذُوا أي قلنا له خذوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ هي الجد والعزيمة أي أخذا كائنا بقوة واجتهاد ، قال ابن عباس : أي خذوا ما آتيناكم وإلا أرسلته عليكم ورفعته الملائكة فوق رؤوسهم فكانوا إذا نظروا إلى الجبل قالوا سمعنا وأطعنا ، وإذا نظروا إلى الكتاب قالوا سمعنا وعصينا . وعنه قال : إني لأعلم لم يسجد اليهود إلا على حرف قال اللّه وإذ نتقنا الجبل قال لتأخذن أمري أو لأرمينكم به فسجدوا وهم ينظرون إليه مخافة أن يسقط عليهم وكانت سجدة رضيها اللّه سبحانه فاتخذوها سنة ، وقال قتادة في الآية انتزعه اللّه من أصله ثم جعله فوق رؤوسهم فسجد كل واحد منهم على خده وحاجبه الأيسر وجعل ينظر بعينه اليمنى إلى الجبل خوفا أن يسقط عليه ، ولذلك لا تسجد اليهود إلا على شق وجوههم الأيسر . وَاذْكُرُوا ما فِيهِ من الأحكام التي شرعها اللّه لكم ولا تنسوها لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أي رجاء أن تتقوا ما نهيتم عنه وتعملوا بما أمرتم به ، وقد تقدم تفسير ما هنا في البقرة مستوفى فلا نعيده . وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ وكذا من آدم فالأخذ منه لازم للأخذ منهم لأن الأخذ منهم بعد الأخذ منه ، ففي الآية الاكتفاء باللازم عن الملزوم مِنْ ظُهُورِهِمْ بدل اشتمال مما قبله بإعادة الجار ، قاله الكواشي ، والذي في الكشاف أنه بدل بعض من كل ، قال الحلبي : وهو الظاهر وإيثار الأخذ على الإخراج للاعتناء بشأن المأخوذ لما فيه من الإنباء عن اختيار الاصطفاء وهو السبب في إسناده إلى الرب بطريق الالتفات مع ما فيه من التمهيد للاستفهام الآتي وإضافته إلى ضميره عليه السلام للتشريف . ذُرِّيَّتَهُمْ هي تقع على الواحد والجمع ، واستدل بهذا على أن المراد بالمأخوذين هنا هم ذرية بني آدم أخرجهم اللّه من أصلابهم نسلا بعد نسل على نحو ما يتوالد الأبناء من الآباء فلذلك قال من ظهورهم ولم يقل من ظهر آدم لما علم أنهم كلهم بنو آدم ، وقد ذهب إلى جماعة من المفسرين وقالوا معنى وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ دلهم بخلقه على أنه خالقهم فقامت هذه الدلالة مقام الإشهاد فتكون هذه